بقلم: فداء ياسر الجنديأما وقد هدأت الزوبعة التي أثارها إعلان اكتشاف الجدة (آردي)، فقد آن لنا أن نقف بهدوء على بعض آثارها في الوسط الإعلامي العلمي العربي، وما أحدثته من أخذ ورد، وشد وجذب، وما أبانت عنه من رواسب ومخلفات ما كنا نحب أن نرى بين ظهرانينا من ما زال يتمسك بها ويدافع عنها.
والجدة آردي لمن لا يعرفها، هي اسم أطلقه العلماء على هيكل عظمي عثروا عليه في أثيوبيا، لمخلوق أنثى هو دون الإنسان وفوق القرد، عمره حوالي أربعة ملايين ونصف المليون من السنوات ، أثار جدلاً علمياً واسعاً حول تاريخ الأحياء على الكرة الأرضية.
لقد فتحت آردي الحوار من جديد حول نظرية دارون، والتي كنا نظن أنها أصبحت من مخلفات الماضي، في بلادنا العربية على الأقل، بعد أن أشبعها العلماء نقداً وتمحيصاً وتفنيداً، لا أقصد علماء الدين فقط، الذين بينوا تعارضها مع العقائد السماوية، بل أقصد علماء الطبيعة والأحافير والتاريخ الإنساني، الذين أثبتوا بطلان هذه النظرية، دون أن يغمطوا دارون حقه كعالم، اجتهد وبحث وكتب نتائج علمه ودراساته في كتابه الشهير أصل الأنواع، تاركاً في صفحاته من الأسئلة أكثر مما ترك فيه من الأجوبة، ومؤملاً أن يجيب العلم عنها في قابل الأيام، وأن تزيد الأبحاث المستقبلية نظريته وضوحا، ولكن إجابات العلم الحديث كانت نافية لنظريته لا مؤكدة لها، فلم تزدد نظريته وضوحا، بل الذي ازداد وضوحاً هو عدم قدرتها على تفسير الخلق وتطوره كما أراده واضعها.
وقبل أن نورد أطرافاً موجزة عن الأدلة الدامغة على بطلان النظرية، نعود للزوبعة لنقف وقفة هادئة بعد انقشاعها.
وبداية الزوبعة كانت عندما نشرت عدة وسائل إعلامية، منها موقع قناة الجزيرة، تقريراً عن الجدة القديمة (آردي)، وبدأ التقرير حرفياً بالعبارة التالية "قدم العلماء الأميركيون دليلا جديدا على أن نظرية داروين في النشوء والارتقاء كانت خطأ، وذلك بكشف فريق عالمي من علماء أصول الجنس البشري من جامعتي كين ستيت وكاليفورنيا النقاب عن أقدم أثر معروف للبشر على وجه الأرض، وهو هيكل عظمي إثيوبي يبلغ عمره حوالي أربعة ملايين وأربعمائة ألف سنة أطلق عليه اسم "أردي".
عندما ظهر هذا الخبر، قامت الدنيا ولم تقعد، وانبرى بعض الإعلاميين العلميين العرب، ينعون على من نشر الخبر البعد عن التحقيق والتمحيص، وعدم اتباع المنهج العملي في نقل الخبر، لأن تلك الوسائل الإعلامية (بزعمهم) تجرأت على نظرية يعتبرونها من المسلمات، عندما ادعت أن الاكتشاف الجديد ينقض نظرية دارون، وأنها أخطأت في النقل عندما قالت إن العلماء الذين قاموا بالبحث أكدوا دعم الاكتشاف الحديث لبطلان النظرية، ووصل الامر ببعض المواقع ووسائل الإعلام، إلى أن اعتبروا ما حدث "فضيحة" لمن نشر هذا الراي.
لست هنا لأدافع عن هذه المحطة أو تلك، ولكن لأقف وقفة على ما يمكن الاستفادة منه في هذه القضية، حيث رشح عنها بعض المواقف التي لم نتوقعها ممن يفترض أنهم كتاب علميون، وإعلاميون منصفون.
بداية نقول إن محرر الخبر لم يقل إن "ظهور "آردي" هو الذي نقض نظرية دارون بعد أن كانت تعتبر صحيحة، ولكنه قال إن ظهورها شكل دليلا جديدا على بطلانها، وبتعبير آخر، انطلق محرر الخبر من اعتبار نظرية دارون باطلة قبل ظهور آردي، ولم يقل إن آردي هي التي أبطلتها، هذه واحدة، والثانية أن المحرر وفي ثنايا الخبر نفسه، نقل تصريحاً عن الدكتور زغلول النجار، علق فيه على الخبر واعتبره دليلاً جديداً على نقض تلك النظرية، ويكفي المحرر العلمي حرفية أنه لم يتصدر للتعليق على الكشف العلمي، بل أسنده لمن هو أهله من العلماء، وأحسب أن هذا جهد مشكور من محرر الخبر، والثالثة أن ما نقله محرر الخبر على ألسنة العلماء الذين نشروا الاكتشاف كانت نقولاً صحيحة، فهو لم يقل إنهم هم الذين قالوا إن (آردي) أبطلت نظرية دارون، بل نقل أقوالهم كما هي، والكلام عن نقض النظرية جاء على لسان الدكتور النجار، (يرجى الرجوع لرابط الخبر أدناه)، والرابعة أن محرر الخبر لم يزعم أن دارون يقول (إن الإنسان أصله شامبانزي)، وإن آردي نقضت ذلك.
خلاصة القول أننا لا نجد في الخبر شيئاً يجعل محرره قد ارتكب فضيحة كما سماها بعض الكتاب العلميين العرب ، ولكن الفضائح كانت في موقف طائفة من الكتاب العلميين العرب من الخبر، حيث سارعوا لنقده والتشهير به، دون وجه حق، إلا أنه يخالف نظرية دارون التي يعتبرونها من المسلمات (؟؟)، وليتهم ناقشوا الخبر من منظور علمي، فظاهرة آردي أثارت نقاشاً علمياً بين المختصين، وكان دور المكتشفين أن وضعوا الاكتشاف بين يدي العلماء وراح كل منهم يجتهد فيه، ولكن تلك الطائفة من الكتاب العلميين العرب كانت تدافع عن نظرية دارون بمنطق مشجعي أندية كرة القدم، فكل من ينكر النظرية فهو ليس معنا وليس ممن يمكن اعتباره من العلميين، لذلك راحوا ينعتون وسائل الإعلام التي انطلقت من كون النظرية باطلة، بأنها وسائل متخلفة، ونعتوا تناولها للموضوع من خلال آردي بأنه فضيحة، أما من يؤيد النظرية فهو مثقف وعلمي ومتقدم وغير ذلك من النعوت الإيجابية.
إن كان هناك بيننا من لازال يعتقد بصحة نظرية دارون رغم موتها فهو حر في رأيه، أما أن يسفه الراي الآخر ويعتبره متخلفاً وغير علمي فهذا غير مقبول.
هل قلت موتها؟ نعم، فقد أعجبني قول أحد الكتاب حول هذا الموضوع، حين رأى أن الكلام في نقض نظرية دارون هو كالضرب في الميت، لأنها ولدت ميتة برأيه.
وكاتب هذه السطور يشارك صاحب هذا الرأي في رأيه، ولكن دعوا بيان ذلك وتفصيله لمقال قادم.
______________________________________________________
روابط ذات صلة:
http://dsc.discovery.com/tv/ardipithecus/ardipithecus.html?campaign=dsc-int-hp-dl-ardi-main
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/54C0A6AA-246F-45DE-A79D-2042487364BB.htm
http://www.bbc.co.uk/arabic/scienceandtech/2009/10/091001_mek_fossil_evolution_tc2.shtml





.jpg)
.jpg)

.jpg)


قرات المقال مرات ومرات واعجبني جدا الطرح لأنه يحرك في داخلك نوع من الاستغراب ممن وصل بهم العلم لدرجات عالية ليعرفوا عظمة الخالق ولكنهم يصرون على ان دارون مانطق إلا بالحقيقة بالرغم من وجود مؤشرات كثيرة غير ماقال دارون.
لكن تبقى اختلاف الديانات ووجهات النظر والتمسك في الرأي هو احد عادات البشر .
مقال تدفعك للتفكير في أكثر من طريق لتصل لنقطة واحدة وهي ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) هذا لمن يعي ويدرك.
كل الشكر استاذنا الفاضل وتوجه رائع في المقال اعجبني جدا .
تحياتي